صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

7

شرح أصول الكافي

من زمان وجود عمرو ، وفي القدم بعكس ذلك ، اي ما مضى من زمان وجود شيء أكثر من ما مضى من زمان وجود شيء آخر ، فالأطول زمانا قديم بالقياس إلى الأقصر زمانا وبالعكس ، فشئ واحد قد يكون حادثا وقديما بالقياس إلى شيئين ، فهما القدم والحدوث العرفيان . وأمّا الثاني فيطلق كلّ منهما على معنيين ، أحدهما الزّماني . فمعنى الحدوث الزماني حصول الشيء بعد أن لم يكن بعدية لا يجامع البعد القبل في الحصول ، ومقابله القدم الزّماني ، فالقديم الزماني ما لا يكون لوجوده بدء زماني ، وثانيهما الغير الزّماني منهما ويسمّيان بالحدوث والقدم الذّاتين ، فالحدوث الذّاتي ما يكون وجود الشيء مستندا إلى غيره ، والقدم الذّاتي ما لا يكون كذلك بل يكون موجودا بذاته لا بغيره ، فالحادث الذّاتي ما لا يقتضي ذاته وجوده ولا عدمه فيكون ممكن الوجود ، والقديم الذاتي ما يقتضي ذاته الوجود وهو الواجب الوجود . الثانية انّ الحادث بكلا المعنيين يحتاج إلى سبب مؤثر في وجوده ، لانّ منشأ الافتقار له إلى السبب انّما هو ذاته لصفة الامكان ، وذلك لا يختصّ بزمان حدوثه دون زمان بقائه كما توهّمه أكثر علماء العامة وزعموا انّ الشيء إذا حصل عن موجده استغنى عنه في البقاء والا يلزم تحصيل الحاصل ، حتّى انّهم تجاسروا في القول بانّه لو جاز العدم على البارئ لما ضرّ عدمه وجود العالم ، تعالى عمّا يقوله الظّالمون علوّا كبيرا . الثالثة انّه لما ثبت افتقار الحادث بكلا القسمين إلى الموجد فاعلم : انّ أعلى ضروب الايجاد هو الابداع وهو تأييس الشيء من الليس المطلق والعدم المحض ، لانّه يطرد العدم عن الذات الممكنة رأسا لا كالاحداث الذي يزيل العدم عنها في وقت دون وقت . فالبارئ جل اسمه هو المبدع للعالم كلّه ابداعا كلّيا وافاضته دائمة من قبله بلا منع وتقتير وبخل وتقصير ، الّا انّ العالم الجسماني المشتمل على الأجرام السمائية والأرضية وما يتعلّق بهما من الطبائع والنّفوس والقوى ممّا لا يحتمل التسرمد والبقاء بل كلّها حادثة متجدّدة الوجود والناس في غفلة من هذا بل هم في لبس من خلق جديد « 1 » ، ونحن بفضل اللّه وتأييده قد أحكمنا ذلك وشيّدنا أركانه بدعائم البراهين الحكميّة وأساطين القوانين اليقينيّة التي لم يسبق بمثلها أحد من المتقدمين والمتأخرين ، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . « 2 »

--> ( 1 ) - ق 15 . ( 2 ) - الجمعة 4 .